المنشورات
 

حرية التعبير عن الرأي: بين الإهانة والحق المطلق

من المنطقي القول بأن "الحق بالتعبير عن الرأي حق مقدّس، وهو ليس رهن بمشاعر الآخرين، أو أذواقهم أو تطلعاتهم...". غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تقف عند حدّين: الحض والدعوة إلى الكراهية والتمييز؛ الدعوة إلى الإيذاء والقتل. وعلى الرغم من ذلك، ينادي بعض الناشطين والأكاديميين بقبول هكذا تصاريح باعتبارها شكلا من أشكال التعبير عن الراي "طالما لم تُتَرجم أفعالاً على الأرض". حجّتهم اعتماد تفاسير فضفاضة تبدّي الحريات الفردية على أي شكل من أشكال القيود .

تطرح المقالات والتصاريح بشكل عام، لاسيما تلك التي تتناول مقامات دينية أو مرجعيات سياسية، الإشكالية التقليدية حول حرية التعبير عن الرأي: ما هو مصدر هذه الحرية؟ ما هي حدودها؟ لا مكان هنا لاستعراض أمثلة تكاد أن تتكرر بشكل شبه يومي؛ عوضا عن ذلك سيسعى هذا المقال إلى الإجابة عن السؤالين المطروحين أعلاه من خلال مقاربة حقوق-إنسانية .

تنص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنه "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية ."
إذا، حرية التعبير عن الراي تتضمن :
- الحق بالحصول على المعلومات، أي عدم تقييد نشر المعلموات أو الوصول إليها؛
- الحق بتكوين راي معيّن بالإستناد إلى المعلومات أو الوقائع؛
- الحق بالتعبير عن هذا الرأي .
تشكل هذه العناصر وحدة متكاملة. كيف؟
فلنفرض أن الحق بالحصول على المعلومات متوفر، ولكن دون الحق بالعتبير عن القناعة المكونّة بناء عليها. في ظل هكذا معادلة، تصبح الأنظمة الأكثر قمعاً لحريةّ التعبير عن الرأي، الأكثر ديمقراطية لكونها لا تقمع حرية "تكوين الرأي " !

أماّ السبب في الإشارة إلى الإعلان العالمي هو أن ديباجته (والتي هي بعكس المقدمات في الكتابات الأدبية والتاريخية وغيرها، تكتسب صفة الإلزام في تفسير النص عند غموضه) شكّلت حسماً قاطعاً ونهائياً للجدل الفلسفي والقانوني الذي كان قائماً قبل 10 ديسمبر 1948 حول مصدر وطبيعة حقوق الإنسان. كذلك، فإن الحق بالتعبير عن الرأي هو جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان لكونها حقوق عالمية غير قابلة للتجزئة مترابطة ومتشابكة، بحسب إعلان وبرنامج عمل فيينا الصادر عن المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في حزيران 1993 .

من المفيد قبل مقاربة ديباجة الإعلان العالمي، لفت النظر إلى أن مفرداتها خضعت للتصويت 1400 مرة من قبل اللجنة التي إنكبّت على صياغتها. ضمّت اللجنة أشخاصًا ذات خبرات ديبلوماسية، قانونية وفلسفية، كان شارل مالك أحدهم. إذا، صياغة الديباجة لم تكن عملية إنشائية بل تمريناً ذهنياً سُخّرت فيه كل الحجج الممكنة اعتراضاَ أو دفاعاً عن مفردة ما. ويهمّنا من الديباجة بعضا من مفردات فقرتها الأولى :

"لما كان الاعتراف بالكرامة الأصيلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم ."

على مستوى النتائج القانونية، يشكل "الاعتراف" عمل إعلانيا وليس إنشائيا، تماماً كمثل تسجيل ولادة أو وفاة في سجلات النفوس. فعملية التسجيل لا تؤدي إلى أي من الحالتين، إنّما تشكل إعلاناً وتسليماً بوقوعهما. ويترتب على ذلك إسقاط حق أي سلطة بالمس بالحقوق أو حيّزها. وفي حين أن مفردة "الكرامة"- والتي هي من الصفات التي تقتصر على الإنسان دون سواه من المخلوقات أو الأشياء – تشكّل قاسماً مشتركاً بين جميع البشر،  تؤكّد مفردة "الأصيلة" مصدر هذه الكرامة: هي من صلب الإنسان وأصله أي أنها تلد معه وتنتهي بموته. إذاً هي ليس منّة من أحد ولا تتأثر بأي عامل ظرفي كالحالة الاجتماعية، الانتماء الديني، الطبقي او الاجتماعي... أمّا تعبير "الأسرة البشرية" فبالإضافة إلى تأكيده على وحدة الأصل بين جميع البشر، يركّز على مفهوم الإخوة والترابط الذي يتخطى أي مشتركات أخرى عرقية، لغوية، دينية... بناء على ما تقدم، يكون الجواب على سؤال "ما هو مصدر حرية التعبير عن الرأي؟" كالتالي: الكرامة الإنسانية الاصيلة المشتركة بين جميع البشر ."
أماّ الجواب على السؤال الذي يطرح مسألة "حدود الحرية والحقوق" فيكمن في مفردة "الثابتة" (كوصف للكرامة والحقوق): أي أن هذه الحقوق غير قابلة للإلغاء أو التعديل أو التعليق. من شان ذلك ايضاً أن يجعل كل تنازل – ولو طوعي - عنها من قبل صاحبها عمل غير صحيح .

 بناءاً على السرد الوارد أعلاه أصبح من المنطقي القول بأن "الحق بالتعبير عن الرأي حق مقدّس، وهو ليس رهن بمشاعر الآخرين، أو أذواقهم أو تطلعاتهم...". غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تقف عند حدّين: الحض والدعوة إلى الكراهية والتمييز؛ الدعوة إلى الإيذاء والقتل. وعلى الرغم من ذلك، ينادي البعض من الناشطين والأكاديميين بقبول هكذا تصاريح باعتبارها شكلا من أشكال التعبير عن الراي "طالما لم تُتَرجم أفعالاً على الأرض". حجّتهم اعتماد تفاسير فضفاضة تبدّي الحريات الفردية على أي شكل من أشكال القيود .

بناء على ما سبق، يمكن القول بأن مقولة "التعرّض للأديان أو الأحزاب أو غيرها من المقامات الاجتماعي، كتابةً أو تصريحاً أو رسما...،  أمر لا يجوز" مردودة ومرفوضة بما تشكل من سابقة بفرض قيود على حرية التعبير، تشكل منزلقاً ينتهي بمنع التعبير عن الرأي حول أي موضوع بالمطلق. كيف ذلك؟ فلنسلّم جدلاً أن انتقاد أي ديانة ونصوصها المقدّسة ممنوع. هل يشمل هذا المنع انتقاد تصرفات رجال الدين أو الزيّ الخاص بهم؟ ماذا عن انتقاد لون "شعائري" خاص بإحدى المناسبات الدينية لجماعة ما ؟ ماذا عن انتقاد "لغوي-علمي" لصوابية أو صحّة مفردة ما في ترنيمة أو أنشودة أو أي نص ديني آخر غير مقدّس؟ ماذا عن انتقاد "امتيازات" قد تكون معطاة لهم (بقدر ما تكون بسيطة، كإعفاءات ضريبية، تسهيلات إدارية...)؟
طيّب، ماذا لو جاء أحد الملحدين يقول بأنّ التعرض ل "فولتير" يشكل له إهانة شخصية؟ فلنكف أيضاَ عن إنتقاد "فولتير"؛
ومن بعده يأتي من يطلب بالتوقف عن إنتقاد "نيتشه"، فنتوقف عن إنتقاد الفلاسفة؛
ويأتي من بعده من يطلب بالكف عن إنتقاد الشيوعية، أو الماركسية، أو الليبرالية؛
...

ليس في ما سبق دعوة مفتوحة إلى شتم الغير والإساءة إلى معتقداته الدينية والتهكم على إنتماءاته السياسية أو غيرها، مطلقاً! فمن غير الواقعي القول بأن أحداً لا يشعر بالإهانة عند التعرض لمقدساته، أو لمقامات سياسية أو حزبية يناصرها. ومن المنطقي أن تكون ردات الفعل على الرأي عينه مختلفة تبعاً لطريقة التعبير عنه. فعوضاً عن التجريح وتوجيه الإهانات أو الشتم، والتي تولد ردة فعل على الشكل تقطع القدرة على التواصل ومناقشة مضمون الرأي المذكور؛ قد تكون المفردات "المعتدلة" للتعبير عن رأي موزون و"أكاديمي" مدعّم بالموضوعية والقرائن والأدلة، افضل اشكال التعبير عن الرأي، بما تفتح من مجال لتناول الموضوع دون التوقف عند الشكل .

عندئذ من الممكن الحديث عن مقاربة موضوع حرية التعبير عن الرأي من باب معادلة "كيفية و/أو أشكال التعبير" عن الرأي، عوضاً عن معادلة "المواضيع المسموح تناولها في مقابل المواضيع الممنوعة من التداول.  ولكن، يبقى السؤال، أوليس في فرض شكل معيّن من أشكال التعبير عن الرأي مصادرة لأطباع البشر؟

من جهة أخرى، هل من تعريف علمي وموضوعي لمفهوم الإهانة، ومدى تاثيرها على الأشخاص؟ أوليس الشعور بالإهانة أمر شخصي، أي غير موضوعي؟
ماذا لو قامت جماعة من الناس بانتقاد مجموعة أعمال تمتلك شركات كبرى تؤمن عملاً لآلاف العمال، لكنها بالوقت عينه تشكل خطراً إيكولوجيا؟ من يضمن ألّا تطلب هذه المجموعة، تحت ستار "الشعور بالإهانة" بالحد من حرية التعبير عن الرأي؟ فلنفرض أن جماعة أخرى اعترضت على بعض السياسات النقدية للمصارف، أو مثلا على امور أبسط بكثير، كمنع المرور على طريق ما، أو تحويل معاكس لوجهة السير. فلنفرض أن في الأمثال المذكورة من يطلب دوماً منع الاعتراض أو التعبير عن الرأي؛ ولعلّكم تتصورون النتائج !

ماذا لو نشرت صحيفة صورة لسياسي ما، ومن ورائه أغصان شجرة توحي للناظر إليها بأن له قرنان.  هل تعتبر ذلك إهانة؟ إذا لم يقم السياسي بأي ردة فعل تجاه الصحيفة، أيمكن فهم ذلك بقبوله إهانة وجّهت له؟

لعل في مقولة القسّ البروتستانتي الألماني "مارتن نِيْميولِر" الشهيرة  "عندما جاؤوا طلباً (بمعنى الإعتقال) للإشتراكيين..." ما يؤكّد أن تقييد لحريّة الرأي ينتهي بديكتاتورية الأمر الواقع .

يقول " نِيْميولِّر" في محاضراته الملقاة بعد الحرب العاليمة الثانية، عن مرحلة الحكم النازي في المانيا :
عندما جاؤوا (النازيون) طلباً (لإعتقال) للإشتراكيين، لم أعترض. فأنا لم أكن إشتراكياً
عندما جاؤوا طلباً لأعضاء الإتحادات العمالية، لم أعترض. فأنا لم أكن عضو في أي منها
عندما جاؤوا طلباً لليهود، لم أعترض. فأنا لم أكن يهودياً
عندما جاؤوا لإعتقالي، لم يكن قد تبقى أحداً للدفاع عني
(الترجمة بتصرف)

ملكار الخوري
"سنترل ريسرتش هاوس"

 
         
القائمة
النشرة الإلكترونية
مواقع التواصل الاجتماعية
         
         

العملاء

 
إشترك في النشرة الإلكترونية



 

جميع الحقوق محفوظة © 2014 - 2015